حذّرت دراسة علمية جديدة من أنّ تغيّر المناخ قد يؤدي إلى زيادة حادة في حالات الإصابة بالملاريا والوفيات الناجمة عنها في جميع أنحاء إفريقيا خلال العقود المقبلة، ليس فقط بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بل بشكل رئيسي بسبب الفيضانات والعواصف التي تُعطّل النظم الصحية وجهود مكافحة الملاريا.
وجمع الباحثون معلومات مناخية مع سجلات صحية واجتماعية واقتصادية وسجلات مكافحة الملاريا لتقييم كيفية تطور المرض في ظل سيناريوهات الاحترار المستقبلية.
وأشارت نتائج الدراسة التي نُشرت في مجلة “نيتشر”، وأشرف عليها بيتر جيثينج من مشروع أطلس الملاريا، واستندت إلى بيانات لأكثر من 25 عامًا، إلى أنّ تغيّر المناخ قد يُؤدي إلى 123 مليون حالة إصابة إضافية بالملاريا بين عامي 2024 و2050، بالإضافة إلى أكثر من 530 ألف حالة وفاة إضافية، إذا استمرّت جهود مكافحة الملاريا على مستوياتها الحالية.
الظواهر الجوية تفاقم الملاريا
وبينما تختلف الأرقام الدقيقة تبعًا لمدى خطورة تغيّر المناخ، يقول المؤلفون إنّ الاتجاه العام واضح، حيث تُشكّل تأثيرات المناخ تهديدًا خطيرًا لعقود من التقدّم المُحرز في مكافحة الملاريا في إفريقيا.
وعلى عكس العديد من الدراسات السابقة التي ركّزت بشكل أساسي على العوامل البيئية – مثل ارتفاع درجات الحرارة الذي يُهيئ بيئةً مثاليةً لتكاثر البعوض، يُشير هذا البحث إلى أنّ الظواهر الجوية المُتطرّفة هي على الأرجح السبب الرئيسي لزيادة عبء الملاريا.
وتُشير تقديرات الدراسة إلى أنّ 79% من حالات الملاريا الإضافية و93% من الوفيات الإضافية قد تكون ناجمة عن تأثيرات مناخية مدمّرة، بما في ذلك الفيضانات والأعاصير، وليس عن التغيّرات البيئية التدريجية وحدها.
ويمكن أن تُلحق الفيضانات والعواصف أضرارًا بالمنازل، وتُدمّر الناموسيات الواقية، وتُعطّل حملات رشّ المبيدات الحشرية، وتقطع الوصول إلى الرعاية الصحية والعلاج. وفي المجتمعات الريفية والهشّة، حتى الاضطرابات قصيرة الأجل قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في معدلات انتقال الملاريا.
فعلى سبيل المثال، قد يؤدي تدمير الطرق والعيادات بسبب الفيضانات إلى تأخير التشخيص والعلاج، بينما قد تجعل المساكن المتضررة العائلات أكثر عرضة للبعوض.
عبء إضافي على المناطق الموبوءة
يؤكد الباحثون أنّ معظم العبء الإضافي للملاريا لا يُتوقع أن ينجم عن انتشار المرض إلى مناطق جديدة كليًا، بل عن تفاقمه في المناطق التي ينتشر فيها المرض أصلًا.
وتتوقّع الدراسة أنّ نسبة ضئيلة جدًا من
الحالات الإضافية ستحدث خارج مناطق انتقال العدوى الحالية. وبدلًا من ذلك،
سيؤدي تغيّر المناخ بشكل رئيسي إلى تفاقم خطر الإصابة بالملاريا في المناطق
ذات العبء المرتفع.
وتشمل المناطق التي من المتوقع أن تشهد
زيادات كبيرة بشكل خاص: جنوب ووسط نيجيريا، ومنطقة البحيرات العظمى
الإفريقية (بما في ذلك أجزاء من كينيا وأوغندا ورواندا وشرق جمهورية
الكونغو الديمقراطية)، وأنغولا وزامبيا، والمناطق الساحلية المُعرّضة
للأعاصير في جنوب شرق إفريقيا.
تقويض مكاسب القضاء على الملاريا
وتأتي هذه النتائج في لحظة حاسمة. فبعد
سنوات من انخفاض معدلات الإصابة بالملاريا في إفريقيا – بفضل الناموسيات
المعالجة بالمبيدات الحشرية، والأدوية الفعّالة، وتحسين المساكن – تباطأ
التقدّم خلال العقد الماضي.
وتحذّر الدراسة من أنّ تغيّر المناخ قد
يُقوّض هذه المكاسب ويجعل تحقيق أهداف القضاء على الملاريا عالميًا بحلول
منتصف القرن أكثر صعوبة.
ويدعو الباحثون إلى استثمار عاجل في استراتيجيات مكافحة الملاريا المقاومة لتغيّر المناخ، مثل: تعزيز البنية التحتية الصحية وسلاسل الإمداد، وتوسيع نطاق أنظمة الإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ، وضمان استمرار الحصول على العلاج أثناء الفيضانات والكوارث، وتطوير أدوات جديدة أقل تأثرًا بتغيّر المناخ.
وتخلص الدراسة إلى أنّ تغيّر المناخ لم يعد تهديدًا مستقبليًا بعيدًا، بل إنّه يُعيد تشكيل مخاطر الأمراض في جميع أنحاء إفريقيا، ومن دون تحرك سريع، قد تصبح مكافحة الملاريا أكثر صعوبة في العقود المقبلة.
