بعد فشل مفاوضات جنيف، حماية المصريين من وباء البلاستيك مسؤولية وطنية لا تحتمل الانتظار

القاهرة، 21 أغسطس 2025
انتهت الجولة السادسة من مفاوضات المعاهدة العالمية للبلاستيك في جنيف دون التوصل إلى اتفاق مُلزِم، مما يترك العالم أمام فجوة تنظيمية خطيرة. هذا التعثر، الذي يأتي بعد فشل جولة بوسان، يؤكد حقيقة واضحة:
الاعتماد على المسار الدولي وحده لم يعد خيارًا. الآن، تقع على عاتق الحكومات الوطنية مسؤولية مباشرة وعاجلة لحماية صحة مواطنيها وبيئتها من خطر البلاستيك المتصاعد.
لماذا أصبح التحرك المحلي ضرورة قصوى؟
* الخطر يكمن في دورة حياة البلاستيك بأكملها: الأزمة لا تبدأ عند النفايات، بل عند استخراج الوقود الأحفوري المستخدم في التصنيع، مرورًا بإضافة آلاف المواد الكيميائية التي ثبت أن بعضها سام ويسبب اضطرابات هرمونية، وصولًا إلى تحلله إلى جزيئات “ميكرو ونانو بلاستيك” التي تلوث الهواء والماء والغذاء.
لقد تم رصد هذه الجسيمات في دم الإنسان، والرئتين، وحتى المشيمة، مما يثبت قدرتها على اختراق أنسجة الجسم الحساسة.
* الفجوة تتسع بتوقعات كارثية: تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن إنتاج البلاستيك العالمي قد يقفز بنسبة 70% بحلول عام 2040 إذا استمر العمل كالمعتاد. الاعتماد على إعادة التدوير وحده أثبت فشله، حيث لا تتجاوز النسبة العالمية 9%، مما يعني أن الحلول يجب أن تبدأ من المنبع عبر خفض الإنتاج.
* المسار الدولي متعثر: كان جوهر الخلاف في جنيف بين تحالف يضم أكثر من 100 دولة تطالب بفرض سقف للإنتاج، وعدد قليل من الدول المنتجة للنفط التي تصر على حصر الحلول في إدارة النفايات.
هذا الانقسام العميق يجعل انتظار توافق دولي ترفًا لا نملكه.
ما المطلوب من صانعي القرار في مصر فورًا؟
إن حماية الصحة العامة والبيئة المصرية تتطلب حزمة سياسات وطنية حاسمة ومبنية على الأدلة العلمية، دون انتظار قرارات قد لا تأتي:
1. فرض الشفافية الكيميائية: إلزام المنتجين بالكشف الكامل عن المواد الكيميائية المضافة إلى المنتجات البلاستيكية، خاصة مواد التعبئة والتغليف، وتحديد قائمة بالمواد عالية الخطورة التي يجب حظرها.
2. تحديد أهداف وطنية لخفض الإنتاج: وضع مستهدفات كمية مُلزِمة لتقليل إنتاج واستهلاك البلاستيك البِكر والبلاستيك أحادي الاستخدام، مع تحفيز التحول نحو نماذج عمل قائمة على إعادة الاستخدام والتعبئة.
3. إطلاق برنامج وطني للرصد الصحي والبيئي: تأسيس برنامج لرصد تلوث الميكروبلاستيك في الهواء ومياه النيل والمنتجات الغذائية المحلية، ونشر النتائج بشفافية لتوجيه السياسات الصحية والصناعية.
4. تطبيق مبدأ “المُلوِّث يدفع”: تفعيل أدوات المسؤولية الممتدة للمنتِج لضمان تحمل الشركات تكلفة إدارة نفايات منتجاتها من المهد إلى اللحد، وليس فقط المستهلك أو الدولة.
فشل الدبلوماسية الدولية ليس عذراً للتقاعس المحلي. إن حماية المصريين من مخاطر البلاستيك تبدأ بقرارات سيادية اليوم لضمان مستقبل أكثر صحة وأمانًا.

 

للتواصل الإعلامي: