بعد أكثر من قرن من الغياب عاد أحد أكثر الطيور المائية إثارة للاهتمام إلى الأراضي المصرية لكن هذه المرة لم يكن مجرد زائر عابر أو مشاهدة نادرة بل عاد ليبني أعشاشه ويربي صغاره على ضفاف بحيرة ناصر.
ففي أغسطس 2025 نجح الباحثان المصريان باسم ربيع ومحمود الشامي في تسجيل أول دليل علمي مؤكد على تكاثر طائر الغاق الإفريقي (Reed Cormorant – Microcarbo africanus) داخل مصر منذ عام 1903 في اكتشاف يُعد من أبرز إنجازات رصد الحياة البرية خلال العقود الأخيرة بعدما أعاد إلى مصر نوعًا غاب عن التكاثر فيها لمدة 122 عامًا كاملة.
طائر اختفى لأكثر من قرن
الغاق الإفريقي من الطيور المائية المنتشرة على نطاق واسع في إفريقيا جنوب الصحراء ومدغشقر لكنه كان جزءًا من الحياة البرية المصرية أيضًا في الماضي.
وتشير السجلات التاريخية إلى أن آخر عملية تكاثر موثقة للطائر داخل مصر كانت عام 1903 في بحيرة قارون بمحافظة الفيوم قبل أن يختفي تمامًا من سجلات التكاثر حتى اعتبره المتخصصون منقرضًا محليًا كمُتكاثر.
وظل الأمر كذلك لأكثر من 122 عامًا إلى أن تغير كل شيء في صيف 2025.
المفاجأة خرجت من قلب بحيرة ناصر
بدأت القصة في الساحل الغربي لبحيرة ناصر بالقرب من مدينة أبو سمبل بمحافظة أسوان وهي واحدة من أكبر البحيرات الصناعية في العالم وأكثرها ثراءً بالحياة المائية.
وفي صباح يوم 23 أغسطس 2025 انطلق الباحثان في رحلة ميدانية بالقوارب لرصد الطيور واستمرت أعمال المسح من الساعة السادسة صباحًا وحتى الثانية عشرة ظهرًا.
وفي تمام الساعة 7:53 صباحًا لاحظ الباحثان طائرًا بالغًا يتحرك بصورة متكررة بين منطقة صخرية وأشجار مغمورة بالمياه وبرفقته فرخ حديث التطيير يعتمد عليه في الغذاء وهو أول مؤشر على احتمال وجود تكاثر وبعد دقائق قليلة اكتشفا المفاجأة الأكبر.

نعم.. الطائر يتكاثر في مصر
لم يكن وجود فرخ واحد كافيًا لإثبات التكاثر لذلك واصل الباحثان البحث داخل الأشجار.
وهناك عثرا على عشين نشطين يقعان على بعد نحو خمسة أمتار من بعضهما البعض ويرتفعان قرابة ستة أمتار فوق سطح الماء ويحتوي كل منهما على فراخ في مرحلة متقدمة أوشكت على مغادرة العش.
وبتصوير الفراخ والأعشاش أصبح لدى العلماء أول دليل علمي قاطع على تكاثر الغاق الإفريقي داخل مصر منذ عام 1903.
عش فوق أشجار تغمرها المياه
اختار الطائر موقعًا شديد الخصوصية لبناء أعشاشه.
فقد أقامها فوق أشجار الطرفاء النيلي (Tamarix nilotica) التي تغمرها مياه البحيرة جزئيًا داخل جزيرة نباتية صغيرة لا تتجاوز مساحتها نحو 50 مترًا مربعًا.
وكانت حافة المياه تبعد نحو ستة أمتار فقط عن الأشجار بينما بلغ ارتفاع الأشجار نفسها ما بين 6 و8 أمتار.
أما الأعشاش فكانت عبارة عن منصات بسيطة قطرها نحو 30 سنتيمترًا صنعت من الأغصان وسيقان البوص والأوراق والأعشاب الجافة.
كيف يبدو الغاق الإفريقي؟
الغاق الإفريقي من أصغر أنواع الغاق في العالم إذ يبلغ طوله نحو 50 إلى 55 سنتيمترًا فقط.
ويمتلك جسمًا انسيابيًا داكن اللون وذيلًا طويلًا يمنحه اسمه الشائع “الغاق طويل الذيل” بالإضافة إلى عينين حمراوين واضحتين ومنقار أصفر مائل للبرتقالي ينتهي بخطاف صغير يساعده على الإمساك بالأسماك الزلقة.
ورصد الباحثان اختلافات واضحة بين الطيور البالغة والفراخ.
فالفرخ يمتلك ريشًا بنيًا مرقطًا وذيلًا طويلًا نسبيًا وجلدًا فاتحًا حول الوجه ومنقارًا أصفر باهتًا.

أما الطائر البالغ فيتميز بريشه الداكن وذقنه وحلقه الفاتحين مع منطقة صفراء برتقالية حول قاعدة المنقار والعين.
صياد محترف تحت الماء
يعتمد الغاق الإفريقي بصورة شبه كاملة على الأسماك الصغيرة ويتميز بمهارة استثنائية في الغوص.
وأظهرت الدراسة أنه كان يصطاد منفردًا في مياه ضحلة لا يتجاوز عمقها مترين وعلى مسافة لا تزيد عن 100 متر من الشاطئ.
وبعد كل جولة صيد كان يقف فوق الأشجار ناشرًا جناحيه بالكامل لتجفيفهما وهي واحدة من أشهر السمات السلوكية لطيور الغاق إذ يسمح تركيب ريشها بنفاذ كمية محدودة من الماء ما يساعدها على الغوص بكفاءة أعلى لكنه يجعلها تحتاج إلى تجفيف الريش بعد الانتهاء من الصيد.
لم يكن وحده
لم تكن الأعشاش معزولة عن بقية الطيور.
فقد بُنيت داخل مستعمرة مختلطة تضم البلشونات وأبو قردان وهي بيئة معروفة لدى الغاق الإفريقي في موطنه الطبيعي حيث يفضل التعشيش وسط تجمعات الطيور المائية الأخرى.

كما كان يقضي فترات الراحة فوق الأشجار المغمورة بالمياه قبل العودة مجددًا للصيد.
لماذا اختار بحيرة ناصر؟
يعتقد الباحثان أن بحيرة ناصر توفر تقريبًا جميع العناصر التي يحتاجها الطائر.
فهي تضم مياهًا ضحلة هادئة وأعدادًا كبيرة من الأسماك الصغيرة خاصة أسماك السيكليد مثل البلطي وأنواعه بالإضافة إلى أحزمة واسعة من نباتات البوص وأشجار الطرفاء والأكاسيا التي توفر مواقع مناسبة لبناء الأعشاش.

ولهذا تشبه بحيرة ناصر إلى حد كبير البيئات الطبيعية التي يعيش فيها الغاق الإفريقي في السودان ودول إفريقيا جنوب الصحراء.
رحلة عبر نهر النيل
ترجح الدراسة أن الطائر لم يصل إلى مصر عبر السواحل البحرية وإنما عبر ممر نهر النيل.
فالنوع منتشر في السودان ويتحرك شمالًا مع مواسم الأمطار ويبدو أن بحيرة ناصر أصبحت نقطة جذب طبيعية سمحت له بالاستقرار والتكاثر.
كما قارنت الدراسة موقع التكاثر في أبو سمبل بأقرب تجمعات معروفة للطائر في السودان مثل وادي حلفا ودنقلا والخرطوم وخلصت إلى أن الامتداد الطبيعي على طول النيل هو التفسير الأكثر منطقية لعودته إلى مصر.
العودة لم تحدث فجأة
تكشف الدراسة أن اكتشاف أغسطس 2025 كان تتويجًا لسلسلة من المشاهدات المتزايدة ففي 22 ديسمبر 2024 جرى رصد أول طائر قرب أبو سمبل وفي مارس 2025 شوهد سرب يضم أكثر من 20 طائرًا في بحيرة ناصر.
وخلال صيف 2025 توالت المشاهدات في أسوان وبحيرة ناصر مع تسجيلات وصور متعددة حتى جاء يوم 23 أغسطس 2025 الذي وفر أول دليل قاطع على التكاثر من خلال تصوير الفراخ والأعشاش.
ثم استمرت المشاهدات بعد ذلك في أسوان والنيل خلال سبتمبر 2025 وهو ما يشير إلى أن وجود الطائر أصبح منتظمًا في جنوب مصر.
عودة تحمل رسائل بيئية مهمة
لا تمثل عودة الغاق الإفريقي مجرد إضافة اسم جديد إلى قائمة الطيور المصرية بل تكشف أن النظم البيئية المصرية ما زالت قادرة على استعادة أنواع فقدتها منذ زمن طويل عندما تتوافر الظروف المناسبة.
كما تعزز أهمية بحيرة ناصر باعتبارها واحدة من أغنى البيئات الرطبة في شمال إفريقيا ودورها في استقبال الأنواع القادمة من أعالي النيل.
وتأتي هذه العودة أيضًا بالتزامن مع تشديد إجراءات حماية الطيور البرية وهو ما ساعد على توفير بيئة أكثر أمانًا للأنواع المائية في جنوب مصر.

ماذا ينتظر العلماء؟
يرى الباحثان أن ما حدث ربما يكون بداية فقط.
لذلك أوصيا باستمرار مراقبة الغاق الإفريقي خلال السنوات المقبلة لمعرفة ما إذا كان سيصبح طائرًا متكاثرًا بصورة سنوية داخل مصر وما إذا كان سيواصل الانتشار شمالًا على امتداد نهر النيل.
كما دعوا إلى دراسة علاقته بالغاق الكبير الموجود بالفعل في مصر لمعرفة كيفية تقاسم النوعين لمناطق الصيد والتعشيش وتأثير وجودهما معًا على النظام البيئي.
وبعد 122 عامًا من الغياب لم يعد الغاق الإفريقي مجرد ذكرى في سجلات علماء الطيور بل أصبح مرة أخرى جزءًا حيًا من الطبيعة المصرية في قصة تعكس قدرة الحياة البرية على استعادة نفسها عندما تجد المكان الآمن والبيئة المناسبة.
