في إطار اهتمام إيكوريس للتنمية المستدامة بالقضايا البيئية في المنطقة، ننشر هذا التحقيق للصحفي صديق علي الطيب، الذي يتتبع ما تعرضت له غابة السنط في الخرطوم من قطع جائر وتدهور للغطاء النباتي خلال سنوات الحرب في السودان.
يعتمد التحقيق على شهادات ومصادر بحثية وإعلامية، إلى جانب صور للأقمار الصناعية ترصد التغير الذي طرأ على المنطقة بين عامي 2024 و2026، ويتناول الإطار القانوني لحماية الغابات، وأسباب تصاعد الاحتطاب، والتداعيات البيئية المحتملة لفقدان الغطاء الشجري.
أُنجز التحقيق ضمن مشروع تخرج من مدرسة المناخ ومجتمع التحقق العربي لنيل دبلوم صحافة المناخ.
عند مقرن النيلين، الخرطوم كانت هنا غابة. عند نقطة التقاء النيلين الأزرق والأبيض، امتدت لعقود مساحة خضراء كثيفة تُعرف بـ”غابة السنط”، شكّلت لأجيال متعاقبة من سكان الخرطوم “رئة” المدينة ومحجّ طيورها المهاجرة. اليوم، اصبحت غير موجودة بسبب القطع الجائر لتتحوّل أجزاء واسعة منها إلى أرض قاحلة، في واحدة من أوضح قصص الفقد البيئي التي رافقت سنوات الحرب في السودان
التشريعات السودانية لحماية الغطاء النباتي وطرق تنفيذها
يستند الإطار القانوني لحماية الغابات في السودان إلى عدة تشريعات متعاقبة:
قانون الغابات المركزية 1932 وقانون غابات المديريات في العام نفسه: أول تنظيم قانوني لحماية الغابات من الاستغلال الجائر.
قانون الهيئة القومية للغابات 1989: أنشأ الهيئة القومية للغابات بصفتها الجهة الفنية المسؤولة عن إدارة الغابات الاتحادية والولائية، ومنحها حراسًا ومحافظين بصفة ضبطية قانونية.
قانون الغابات والموارد الطبيعية المتجددة 2002: ألزم بتصريح رسمي لأي نقل لمحاصيل الغابات (يحدد النوع والكمية والجهة الناقلة)، وحظر التداول دون هذا التصريح.
قانون حماية البيئة 2001: أنشأ المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، المكلَّف بالتنسيق مع الاتفاقيات البيئية الدولية وتحديد جهات تنفيذها محليًا.
كيف يتم التنفيذ فعليًا؟
مدير غابات ولاية الخرطوم أوضح في تصريحات صحفية أن الحرب تسببت في فقدان كميات هائلة من الغطاء الشجري في مواقع متعددة، لم تقتصر على الغابات المحجوزة رسميًا بل طالت مساحات خضراء مفتوحة أيضًا، مؤكدًا أن الهيئة القومية للغابات تسعى – بالشراكة مع المجتمع المحلي – للوقوف أمام هذه الهجمات المتكررة، وموازاة ذلك بحملات استزراع جديدة. كما نفذت الشرطة (الإدارة العامة للمباحث الجنائية) في مراحل سابقة حملات ميدانية أسفرت عن ضبط عشرات المتورطين في القطع الجائر ومصادرة معدات ووسائل نقل خشب.
لكن تقارير محلية متعددة – منها صحيفة توثّق أن هذه الجهود، رغم وجودها، لم تستطع مجاراة وتيرة التدهور، خصوصًا في ظل انهيار الأمن وانقطاع الكهرباء وندرة غاز الطهي، ما حوّل الغابات – بحسب مسؤولين في القطاع – إلى “مصدر طاقة اضطراري” لملايين السكان.
معلومات علمية عن شجرة السنط – الخصائص والفوائد والمدى الزمني للاستعادة
شجرة السنط شجرة متوسطة إلى دائمة الخضرة، يصل ارتفاعها أحيانًا إلى 25-30 مترًا، وتنتشر طبيعيًا في المناطق الجافة من أفريقيا (من السنغال إلى مصر وجنوب أفريقيا) وآسيا (من الجزيرة العربية إلى الهند وبورما).
أهم خصائصها وفوائدها البيئية والاقتصادية:
تثبيت النيتروجين في التربة، ما يرفع خصوبتها ويجعلها ملائمة لنمو نباتات أخرى حولها.
إنتاج الصمغ العربي، أحد أهم الصادرات الاقتصادية التقليدية للسودان.
توفير أخشاب صلبة استُخدمت تاريخيًا في فلنكات السكك الحديدية والأخشاب المنشورة.
تثبيت التربة والحد من الانجراف على ضفاف الأنهار بفضل جذورها العميقة.
توفير مواقع تعشيش وظل وغذاء لعشرات الأنواع من الطيور والحياة البرية.
أما المدى الزمني لاستعادة الغطاء الشجري بعد القطع الجائر، فتشير الخبرة الحرجية العامة إلى أن أشجار السنط تحتاج سنوات عدة (تُقدَّر عادة بما بين 8 إلى 15 عامًا) لتصل إلى نمو متوسط يعيد جزءًا من وظائفها البيئية، بينما تحتاج الغابة ككل – كنظام بيئي متكامل بطبقاته النباتية والحيوانية المتفاعلة – إلى عقود لاستعادة التوازن الذي فقدته، لا سيما إذا صاحب القطعَ تجريفٌ للتربة وتغييرٌ في استخدام الأرض، كما هو موثق حاليًا في مواقع من الغابة تحولت إلى “أرض قاحلة” بحسب وصف شهود عيان لصحيفة الراكوبة.
سادسًا: شهادات من قرب الغابة
تحدث الصادق عبد القادر الذي يقيم بالقرب من الغابة عن ازدهار تجارة الاخشاب والفحم خلال الفترة بين عامي 2025 و اوائل عام 2026 التي تنامت فيها تجارة الفحم والأخشاب بصورة كبيرة داخل غابة السنط حيث قال بعد الطلب الكبير علي الفحم والأخشاب والفجوة الكبيرة في انعدام الغاز والوقود ارتفعت أسعار الفحم والخشب بصورة اغرت الكثير من الناس للقطع الأشجار والمتاجرة بها في ظل عدم وجود أي رقابة علي الغابة التي كانت هدفا سهلا وأصبحت مصدر رزق يدر عائد مادي سريع
في حالة مماثل عن مناطق أخرى شهدت الظاهرة نفسها (كولاية جنوب دارفور)، أن الفحم النباتي المستخرج من أشجار مشابهة (السنط والهشاب) أصبح يتدفق يوميًا إلى الأسواق ويُستهلك بكثافة في كمائن الطوب وأفران المخابز البلدية، وسط اعتماد كامل للسكان عليه بعد انقطاع الغاز والكهرباء – وهو النمط نفسه الذي تصفه التقارير عن غابة السنط في الخرطوم.
إفادات وشهادات الخبراء حول أزمة القطع الجائر
دكتورة الاعلام البيئي مني الفاضل متحدثة عن غابة السنط قالت ما تعرضت له غابة السنط ليس مجرد قطع أشجار عشوائي، بل انهيار كامل لمنظومة بيئية عمرها عقود. الغابة كانت تلعب دور ‘رئة’ للخرطوم، إذ تعمل كمصدّ طبيعي للغبار والحرارة، وموطناً للطيور المهاجرة والحياة البرية المحلية. مع انقطاع الكهرباء وشح الوقود منذ اندلاع النزاع عام 2023، وغياب أي رقابة أمنية فعلية على المحمية، تحوّلت الغابة إلى مصدر بديل للطاقة عبر الاحتطاب الجائر وإنتاج الفحم، وهو ما استغلته أيضاً شبكات تجارية منظمة للربح في ظل الانهيار الاقتصادي.
الأثر لا يقتصر على فقدان الغطاء النباتي؛ فتدهور التربة الناتج عن اقتلاع الأشجار يقلل خصوبة الأرض وقدرتها الزراعية، ما ينعكس على الأمن الغذائي المحلي، ويهدد بانقراض أنواع نباتية وحيوانية كانت الغابة موطناً لها. كما أن اختفاء الغطاء الشجري يزيل حاجزاً طبيعياً كان يخفف من حدة التصحر الزاحف على العاصمة.
الجانب الإيجابي الوحيد هو أن تربة الغابة تحتفظ بـ’بنك بذور طبيعي’ عالي معدل الإنبات، ما يعني أن التعافي الذاتي ممكن نظرياً بمجرد توفر الحماية وموسم فيضان مناسب. لكن هذا لا يغني عن تدخل عاجل: تأمين الموقع بسياج ومراقبة دائمة، توفير بدائل طاقة مدعومة للسكان المجاورين لوقف الضغط البشري، وتفعيل رادع قانوني حقيقي لقطع الأشجار. بدون ذلك، فإن أي جهود تشجير ستبقى مؤقتة وستُستنزف من جديد.
خلاصة
غابة السنط اليوم قصة مفتوحة النهاية. قانونها موجود منذ 1932، وحمايتها الدولية مقترحة منذ عقود، ومؤسساتها معروفة بالاسم؛ لكن صور الأرض القاحلة التي تداولها الناس مؤخرًا تطرح سؤالًا واحدًا لا تُجيب عنه الأوراق وحدها: هل تملك هذه الغابة عقدًا آخر من الزمن تستعيد فيه ما فقدته، أم أن ذاكرة الخرطوم الخضراء توشك أن تصبح مجرد اسم في سجل بحثي؟
هذه القصة أنتجت ضمن مشروع تخرج من مدرسة المناخ ومجتمع التحقق العربي لنيل درجة دبلوم صحافة المناخ
أهم المصادر
دفع الله عبد المجيد، طلعت. “غابة السنط النيلية” (2016)، منصة ResearchGate.
رسائل ماجستير ودكتوراه، جامعتا الخرطوم والسودان للعلوم والتكنولوجيا، كليات الغابات والموارد الطبيعية (منها: Ali, Anwar Ibrahim 2006 حول تقييم السياحة والترويح في الغابة).
سجلات الهيئة القومية للغابات والغازيتة السودانية رقم 536 لعام 1932.
وثائق وتقارير اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة.




